مجمع البحوث الاسلامية
67
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
بالغة نهايتها جاء فيه « الاجتناب » . 2 - دلّت الآية ( 6 ) كما قال الطّوسيّ على تحريم ما ذكر فيها بوجوه : اجتنبوه ، ورجس ، ومن عمل الشّيطان ، وأنّ الفلاح في تركه . 3 - ويضاف إليها أنّ ضمير المفعول في ( اجتنبوه ) راجع إلى : عمل ، أو الشّيطان ، أو الرّجس ، أو كلّ واحد منها . وفي إبهام المرجع تعظيم وإكبار لحرمتها كما لا يخفى على من مسّ رمز البلاغة القرآنيّة . 4 - وأيضا إرجاء الفلاح ب ( لعلّ ) دون الوعد به جزما ينبئ عن صعوبة الموقف ، وشدّة العذاب فيها . 5 - وأيضا لقد قورن الأمر بالاجتناب في الآيات جميعا بشيء من الخير والرّحمة والتّبشير ، وهذا يؤكّد الاجتناب عمّا ذكر فيها . 6 - في إرداف ما ذكر فيها من المحرّمات الكبار للشّرك وعبادة الطّاغوت ، والأمر بالاجتناب عنها جميعا دلالة أيضا على كبرها وشدّة العذاب عليها كالشّرك ، وإيماء إلى أنّ اللّه لا يغفرها كما لا يغفر الشّرك ، ولا سيّما في ( 4 ) حيث قال : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ فكرّر الفعل وعطفه على الأوّل ، فكأنّ قول الزّور يساوي ويعادل الشّرك ، أو أنّ الشّرك في الحقيقة هو قول الزّور . ثالثا : جاء في ( 10 ) ( يجنّبها ) وفي ( 11 ) يتجنّبها ) من : التّفعيل والتّفعّل ، في سياقين ، فالسّياق في ( 10 ) الذّمّ أوّلا ، والمدح أخيرا ؛ حيث قال : فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى * لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى وضمير المفعول فيها راجع إلى ( النّار ) . أمّا السّياق في ( 11 ) فعكسها : قدّم المدح فيها وأخّر الذّمّ ؛ حيث قال : فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى وضمير المفعول فيها راجع إلى ( الذّكرى ) . وكما اختلف السّياقان بتقديم الذّمّ والمدح وتأخيرهما متعاكسين ، كذلك قورنا بالوعيد ب ( النّار الكبرى ) الّتي يصلاها الكافر ، ويبعّد عنها المؤمن متعاكسين ، فقدّمت النّار وصلاها في ( 10 ) ، وأخّرت في ( 11 ) . وهناك افتراق بينهما من جهات أخرى : 1 - اختصاص الوعيد الصّارم بالكافر الّذي يصلى النّار ، والوعد القريب المرجأ بالمؤمن : وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى و سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى كلاهما جاء بالسّين الّتي فيها الرّجاء والتّبشير والتّيسير . 2 - جاء ( الأتقى ) بإزاء ( الاشقى ) كلاهما بصيغة التّفضيل الدّالّ على بلوغهما الغاية ، كابتعاد التّقوى عن الشّقاء تماما ، فإنّ ( الأتقى ) يحاكي كمال الإيمان و ( الاشقى ) نهاية الكفر ، ومعلوم أنّهما أصل الفلاح والخسران . 3 - جاء الفعل في ناحية الفلاح من باب « التّفعيل » وفي طرف الشّقاء من باب « التّفعّل » ؛ وذلك أنّ ( يجنّببها ) فعل مجهول ، فاعله ( اللّه ) حذف تعظيما وتفخيما له ، ولفعله ، كما في نظائره ، و ( الأتقى ) نائب الفاعل ، أي إنّ اللّه يجنّبه النّار ، فهو مجنّب عنها تماما بعناية اللّه الخاصّة بالمقرّبين ، فلا يتخلّف ولا ينحرف عنها . و ( يتجنّبها ) من التّجنّب ، ومن معاني باب « التّفعّل »